محمد جواد مغنية
258
في ظلال نهج البلاغة
فالتدبير يدل على حسن العاقبة ، والتبذير على سوئها . وكلام الإمام يشير إلى ذلك ويقول : كل عاقل يستطيع التنبؤ بما سيحدث غدا من الوضع الحاضر ، فكسل التلميذ الآن يدل على رسوبه في الامتحان ، ونشاطه على نجاحه ، وتخاذل العرب وضعف الثقة بأنفسهم دلالة قاطعة على هزيمتهم أمام كل غاز وطامع . 75 - يا دنيا يا دنيا إليك عنّي ، أبي تعرّضت ، أم إليّ تشوّقت . لا حان حينك هيهات غرّي غيري . لا حاجة لي فيك . قد طلَّقتك ثلاثا لا رجعة فيها . فعيشك قصير ، وخطرك يسير ، وأملك حقير . آه من قلَّة الزّاد ، وطول الطَّريق ، وبعد السّفر ، وعظيم المورد . المعنى : قال الشريف الرضي والذين شرحوا النهج من بعده : ان ضرار بن ضمرة كان من أصحاب الإمام أمير المؤمنين وخاصته ، وبعده دخل على معاوية فقال له : يا ضرار صف لي عليا ، قال : أعفني . قال معاوية : لا أعفيك . قال ضرار : ما أصف منه ، كان واللَّه شديد القوى بعيد المدى ، يتفجر العلم من جوانبه ، والحكمة من أرجائه ، حسن المعاشرة ، سهل المباشرة ، خشن المأكل ، قصير الملبس ، غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلب كفه ويخاطب نفسه ، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ، ويبتدئنا إذا سكتنا ، ونحن مع تقريبه لنا أشد ما يكون صاحب لصاحب هيبة ، لا نبتدئه الكلام لعظمته ، يحب المساكين ، ويقرب أهل الدين ، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، ويقول : ( يا دنيا يا دنيا إليك عني إلخ ) . . هذا هو نهج علي . . وضعه هو لنفسه ، وعاشه بعمله ، واستهان بالموت من أجله . . أبدا لا دنيا تذوق منه ويذوق منها . انها محرمة عليه تحريما أبديا لا حل لها ولا محلل . . ومعنى لا دنيا لا شهوة وهوى ، ولا متعة ولذة ، ولا فردية وأنانية ، ولا سعادة لحظة واحدة ، بل عناء قائم ،